الشنقيطي
354
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الحديث الصحيح : أن تأثير السحر فيه صلّى اللّه عليه وسلّم سبب له المرض ؛ بدليل قوله « أما اللّه فقد شفاني » وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ : فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ قال مطبوب ؛ أي مسحور . وهو تصريح بأن السحر سبب له وجعا . ونفي بعض الناس لهذه القصة مستدلا بأنها لا تجوز في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لقوله تعالى عن الكفار منكرا عليهم ؛ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 47 ) [ الإسراء : 15 ] - ساقط ؛ لأن الروايات الصحيحة الثابتة لا يمكن ردها بمثل هذه الدعاوى . وسترى في آخر بحث هذه المسألة إن شاء اللّه تعالى إيضاح وجه ذلك . وطرف لا خلاف في أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه ؛ كإحياء الموتى ، وفلق البحر ونحو ذلك . قال القرطبي في تفسيره : أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل اللّه عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع ، وفلق البحر ، وقلب العصا ، وإحياء الموتى ، وإنطاق العجماء ، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام . فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله اللّه عند إرادة الساحر . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه - انتهى كلام القرطبي . وأما الواسطة فهي محل خلاف بين العلماء ، وهي هل يجوز أن ينقلب بالسحر الإنسان حمارا مثلا ، والحمار إنسانا ؟ وهل يصح أن يطير الساحر في الهواء ، وأن يستدق حتى يدخل من كوة ضيقة . وينتصب على رأس قصبة ، ويجري على خيط مستدق ، ويمشي على الماء ، ويركب الكلب ونحو ذلك . فبعض الناس يجيز هذا . وجزم بجوازه الفخر الرازي في تفسيره ، وكذلك صاحب رشد الغافل وغيرهما . وبعضهم يمنع مثل هذا . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أما بالنسبة إلى أن اللّه قادر على أن يفعل جميع ذلك ، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب وإن لم تكن هناك مناسبة عقلية بين السبب والمسبب كما قدمناه مستوفى في سورة « مريم » فلا مانع من ذلك ، واللّه جل وعلا يقول وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ [ البقرة : 102 ] . وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع ؛ لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول ، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة والأخذ بالعيون ، لا قلب الحقيقة مثلا إلى حقيقة أخرى . وهذا هو الأظهر عندي ، واللّه تعالى أعلم . تنبيه اعلم أن ما وقع من تأثير السحر في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يستلزم نقصا ولا محالا شرعيا حتى ترد بذلك الروايات الصحيحة ؛ لأنه من نوع الأعراض البشرية ، كالأمراض المؤثرة في الأجسام ، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ . واستدلال من منع ذلك زاعما أنه محال في